تقترب المدة التي حددها الرئيس الأمريكي لإيران بعد أن مددها أربع وعشرون ساعة "مساء الثلاثاء" للقيام بفتح مضيق هرمز من نهايتها، في الوقت الذي يستمر به بإغراق العالم بتصريحات متضاربة حول مواقفه وقراراته ونواياه إزاء حملته على إيران، أو العملية كما يسميها مبتعدًا عن لفظة الحرب حتى يتحاشى الإلزام الدستوري قبل الستين يوما لأنه بعد ذلك، يصبح القرار بيد الكونجرس حسب الدستور الأمريكي في الاستمرار أو التوقف ، ومن المرجح أن الرئيس ترامب من سيكون مرتاحا إذا وصل الموضوع للنواب والشيوخ للقرار المتوقع من الكونغرس إذا أراد الاستمرار بالحرب حيث يملك الحزب الجمهوري الأغلبية وإن كانت ضئيلة،هذا إذا لم يفاجأ بموقف بعض الأعضاء الجمهوريين بإفساد الأمر والتصويت ضده على اعتبار أن الديقراطيين سيكونوا جميعا ضد ضده..
لكن من المرجح أنه سينهي عمليته قبل موعد الستين يومًا!!
السؤال الملح في الساعات الأخيرة من المهلة التي تقترب عقارب الساعة نحوها، هل سيمدد الرئيس المهلة ويحدث اختراق في ستار النار، سيما وأنه يرسل كل يوم إشارات بأنه جاهز لعقد صفقة مع طهران .. أم أنه سيقوم بتنفيذ ما توعد به من تدمير منشآت الطاقة والبنى التحية هناك .
من الواضح أنه لا توجد مفاوضات حقيقية على الطاولة وأن ما يجري هو اتصالات بين عدد من الدول من جهة مثل مصر وتركيا وباكستان، وبين العواصم المتقاتلة من جهة أخرى، في تسابق مع الزمن للوصول إلى مساحة مشتركة بين الأطراف ولو قليلة لإيقاف الصراع ولو مؤقتا لإفساح المجال أمام الدبلوماسية لإيجاد حلا نهائيا لهذا الملف الذي أرق العالم!!
الرئيس الأمريكي لا شك أنه يحبس أنفاسه ويأمل أن تنزل طهران عن الشجرة في أي لحظة، حتى يتمكن هو أيضًا من القيام بذلك، ويخرج من الورطة معلنًا أنه انتصر، وهو هنا لا يعنيه إلا الداخل الأمريكي، لأنه تبين أنه لا يحسب حسابًا لأحد خارج الولايات المتحدة..
على المقطع الآخر، وفي هذه الساعات الحاسمة، يبدو الموقف الإيراني غير مفهوم، والقيادة الإيرانية غير مقدرة تعقيد المعادلة التي تواجهها، فترامب وإدارته أصبحوا بموقف التحدي، وواضح أنهم لن يقبلوا إلا بشروطهم التي اختزلت مؤخرًا على ما يبدو بفتح مضيق هرمز لأنهم على ما يبدو وجدوا في حال موافقة طهران على ذلك مخرجا جيدا للخروج الآمن ، فترامب لم يعد يتحدث عن إسقاط النظام بالقوة، وترك الأمر للشارع الإيراني الذي على ما يبدو حتى الساعة خذله بعدم تحركه لأسباب متعددة ومختلفة، ولم يعد يتحدث بنفس الإصرار السابق عن المشروع النووي، ومن الممكن أنه أصبح مستعدا لبرمجة الإتفاق حوله ، وبعض المؤشرات تشير أنه من الممكن أيضا أن يسقط من حساباته العامل الإسرائيلي على أساس أن قرار الحرب بيده وحده، لكن الخشية أن الولايات المتحدة تعلن إنهاء حربها وتسمح لإسرائيل الإستمرار بالحرب، وهنا تكون ورطة إيران الكبرى فالحكومة الإسرائيلية غير وارد عندها التفاوض مع طهران، ونتنياهو يسعى إلى تحويل طهران إلى نموذج على غرار أفغانستان في قائمة الدول الفاشلة والمنكفئة على نفسها، وتحتاج إلى عقود طويلة لاسترداد عافيتها، ناهيك عن إحتمالية إنفجار حرب أهلية تأتي نارها على القليل الذي سيتبقى بعد الحرب الجارية.
إيران تحاول في هذه الساعات القاتلة توسيع دائرة النار، لزيادة تكلفة الحرب على المنطقة، لمحاولة دفع جميع الأطراف للضغط على الولايات المتحدة لإنهاء الحرب، وفي هذا تسقط طهران أيضًا من حساباتها الهوة التي أوجدتها بينها وبين دول المحيط، لأنها استعدت هذه الدول دون أي مبرر، كما تسقط من حساباتها كما أشرت أن الرئيس ترامب أصبح في دائرة التحدي وأنه لن يتراجع حتى يجد مخرجًا مقنعًا يقدمه لجمهوره داخل الولايات المتحدة وإلا سيكون الثمن عليه وعلى حزبه باهظًا، خصوصًا في الانتخابات المقبلة للكونغرس، كما أن نتنياهو لن يقبل أن يعود إلى الشارع الإسرائيلي إلا بإنجاز واضح للحرب التي أشعلها، مع كل هذه المواقف المتداخلة والمعقدة على ساحة الصراع، يظهر الموقف في طهران بصورة اللاعقلانية والإضطراب ، وهذا الوصف تترجمه على الواقع الأصوات التي خرجت من هناك لقيادات إيرانية تاريخية معتبرة تطالب القيادة الحالية بالتعقل والجلوس على طاولة المفاوضات ورد العاصفة عن البلاد التي إن استمرت ستغرقها بالكامل، وللأسف فإن هذه الدعوات لم تلاقي من يصغي إليها بل قوبلت بردات فعل متطرفة وهذا يشير إلى أن الأمر في طهران الآن بيد المتشددين وحدهم الذين لا يزالون يحملون فكر الثورة وتصديرها واستعداء المحيط وعقلية الثأر تسيطر عليهم، ولا زالت إرادة التدخل بشؤون الجيران ماثلة في أذهانهم .
إذا انتهت مهلة الرئيس ترامب ووقع المحظور سيدخل الجميع بدوامة كبيرة من الفوضى ، وسيكون الحوار فقط بالنار والكل خاسر ساعتها باستثناء إسرائيل ، فإيران ستتعرض لتدمير شامل ولن تقوم لها قائمة على مدى عقود طويلة ، والولايات المتحدة ستدخل في صراع الحوارات حول مسببات هذه الحرب التي كلفت دافع الضرائب الأمريكي مليارات الدولارات دون مبررات مقنعة للشارع الأمريكي سواء على مستوى الشعب أو النخب السياسية ، والدول العربية وفي مقدمتها دول الخليج والأردن ستدفع ثمنا كبيرا من إمكانياتها لتويض الخسائر التي سببتها الاعتداءات الإيرانية وهي ذاتها التي كانت تسعى على مدار عقود طويلة أن تبني علاقات طبيعيه مع إيران على أسس الاحترام المتبادل والتعاون المثمر ، لكن النظام الإيراني ظل مصرا على مشاريعه وأجنداته إزاء هذه الدول ولم يتوقف يوما عن العبث بأمنها واستقرارها .
الكل اليوم يدفع ثمن خطايا النظام الإيراني وإصراره على أجندته وعناده بعدم الاعتراف بالواقع الدولي الجديد تحت عنوان القوة الوحيدة والقطب الأوحد "والإبن المدلل" ، ولم يفكر قادة هذا النظام بالانحناء ولو قليلا أمام العاصفة ولو مؤقتا حتى يحافظ على بلاده وشعبه ، وعدم إعطاء الفرصة لإسرائيل أن تأتي على كل مقدرات الشعب الإيراني ومستقبله إلى مدى بعيد ، وأصر حكام طهران على قطع أواصر العلاقة السليمة مع محيطهم واستمروا بسياسة الاستفزاز والتعالي مما جعل البلاد اليوم تتعرض لتدمير ممنهج لكل البنية التحتية على مختلف أنواعها الاقتصادية والعسكرية والمدنية ، يواكب هذا عمليات اغتيالات متسلسلة للقيادات السياسية والأمنية إضافة إلى ما تتعرض له كلها إلى المخاطر الكبيرة.
والنظام في طهران لا زال مصر أنه في طريقه لإعلان النصر ، وقيادته تدرك تماما رغم المكابرة أنها عرضت البلاد إلى حرب كان من الممكن تلافيها لو أعملوا العقل قليلا ، والتحديات بعد الحرب ستكون أخطر بكثير على البلاد لأن الإيرانيين سيجدون أنفسهم أمام واقع صعب ومعقد في ظل العقوبات التي ستزداد أكثر مما كانت قبل الحرب ، وهذا الواقع يشكل أرضية لأن تكون إيران دولة فاشلة ، وستنحصر مهمة النظام في هذا الحال بالدفاع عن نفسه أمام غضب الشعب الذي لن يرضى الاستمرار طويلا في هذه الفوضى وسط معاناة مستمرة منذ نصف قرن جعلته يدفع فاتورة الأفكار والمشاريع والأجندات التي أثبتت العقود الماضية أنه من المستحيل أن تكون أمرًا واقعًا...
العالم الآن ينتظر أن تدق عقارب الساعة بعد ساعات قليلة ليرى إن كان الدخان سيكون أبيضا أم أسود في نهاية مهلة الرئيس!!