فاتورة الحروب .. لماذا يدفع الأبرياء ثمن صراعات الاخرين؟
د. بركات النمر العبادي
07-04-2026 01:06 PM
في كل مرة تشتعل فيها مواجهة عسكرية في الشرق الأوسط، لا تتوقف تداعياتها عند حدود الجغرافيا السياسية للأطراف المتحاربة، بل تمتد لتصيب عمق الاقتصادات الإقليمية، وعلى رأسها الدول العربية التي تجد نفسها في قلب العاصفة دون أن تكون طرفًا فيها.
الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تعد مجرد صراع عسكري أو أمني، بل تحولت إلى عبء اقتصادي ثقيل يُعاد توزيعه بشكل غير عادل، حيث تدفع الدول الأضعف الثمن، بينما يحتفظ الفاعلون الرئيسيون بهامش المناورة.
اقتصاد يُستنزف بفعل صراع الاخرين
تعتمد دول المنطقة، وخاصة غير النفطية منها ، على استقرار أسعار الطاقة كشرط أساسي للنمو. لكن مع كل تصعيد ، تقفز أسعار النفط والمشتقات ، فتدخل هذه الاقتصادات في دائرة من الضغوط المتتالية : تضخم متزايد ، كلفة إنتاج أعلى، تراجع في القدرة الشرائية ، وتباطؤ في النمو.
في الحالة الأردنية ، تتضح الصورة بشكل أكثر حدة ، فالأردن يستورد أكثر من 90% من احتياجاته من الطاقة ، ما يجعله من أكثر الدول تأثرًا بأي اضطراب في الأسواق العالمية ، وتشير التقديرات إلى أن كل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر برميل النفط قد يضيف مئات الملايين من الدنانير إلى فاتورة الطاقة سنويًا.
كما تشكل فاتورة الطاقة ما يقارب 8% إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي في بعض الفترات ، وهو رقم يعكس حجم العبء على الاقتصاد الوطن ، ومع ارتفاع الأسعار، تتزايد معدلات التضخم لتتجاوز أحيانًا 4%–6% ، بينما يبقى النمو الاقتصادي في حدود 2%–3% ، ما يعني أن أي صدمة خارجية قادرة على تقويض التوازن الهش.
ولا تقف التداعيات عند المؤشرات الكلية ، بل تنعكس مباشرة على حياة المواطنين : ارتفاع أسعار النقل ، زيادة كلفة السلع الأساسية ، وضغوط متزايدة على القطاعات الإنتاجية.
أزمة عدالة في النظام الدولي
هذه الوقائع تطرح سؤالًا لا يمكن تجاهله : كيف يمكن لنظام دولي يدّعي الحفاظ على الاستقرار أن يسمح بتحميل كلفة الحروب لدول لم تشارك في صنعها اصلا ؟
إن ما نشهده اليوم هو خلل واضح في مبدأ “المسؤولية عن الأضرار العابرة للحدود”، حيث تُخصخص قرارات الحرب ، بينما تُعمّم كلفتها على الجميع ، إنها معادلة تختزل الواقع بوضوح: القوي يقرر، والآخرون يدفعون.
نحو آلية دولية لتعويض المتضررين
في ظل هذا الواقع ، لم يعد مقبولًا الاكتفاء بالمواقف السياسية أو بيانات القلق ، المطلوب هو تحرك دولي جاد يقود إلى إنشاء آلية ملزمة لتعويض الدول المتضررة اقتصاديًا من النزاعات.
يمكن أن يقوم هذا الطرح على:
• إنشاء صندوق دولي لتعويض الأضرار الاقتصادية غير المباشرة
• مساهمة الأطراف المنخرطة في الصراع—الولايات المتحدة ، إسرائيل ، وإيران—في تمويله
• اعتماد مؤشرات واضحة لقياس الضرر، تشمل أسعار الطاقة ، معدلات النمو، وكلف التجارة والنقل
• إشراف دولي يضمن الشفافية والعدالة في توزيع التعويضات
مجلس الأمن أمام اختبار المصداقية
يمتلك مجلس الأمن أدوات فرض العقوبات ، لكنه نادرًا ما يستخدم سلطته لفرض تعويضات اقتصادية عادلة ، وهنا يكمن التحدي الحقيقي: هل يظل المجلس إطارًا لإدارة الأزمات فقط ، أم يتحول إلى أداة لتحقيق العدالة الدولية ؟
إن تبني مشروع من هذا النوع لن يكون مجرد سابقة قانونية ، بل خطوة نحو إعادة تعريف مفهوم الأمن ، ليشمل الاستقرار الاقتصادي للدول غير المنخرطة في النزاعات.
رؤية واقعية من منظور أردني محافظ
بالنسبة للأردن ، فإن المسألة ليست نظرية ، فاستمرار هذه الصدمات الاقتصادية يهدد قدرة الدولة على الحفاظ على استقرارها المالي والاجتماعي ، ومن هنا ، فإن طرح قضية التعويض ليس ترفًا سياسيًا ، بل ضرورة وطنية تتقاطع مع مبدأ أساسي في الفكر المحافظ : حماية الدولة واستقرارها في مواجهة المخاطر الخارجية.
وخلاصة القول ان الحروب التي لا يتحمل كلفتها من يشعلها ، تظل مرشحة للتكرار ، والنظام الدولي الذي يعجز عن إنصاف المتضررين ، يفقد تدريجيًا شرعيته.
إن تحميل الأطراف المنخرطة في الصراع مسؤولية التعويض ، عبر مظلة دولية يقودها مجلس الأمن ، ليس مطلبًا مثاليًا ، بل خطوة ضرورية نحو نظام عالمي أكثر توازنًا وعدالة - نظام لا يُعاقب فيه الأبرياء على صراعات لم يختاروها.
حمى الله الاردن من كل كريهة
* حزب المحافظين الاردني - مساعد الامين العام للتثقيف الحزبي