في هذا الفضاء الأزرق أصبح فيه الفضول سيد الموقف، والبحث عن الحقيقة هوسا لا يهدأ أبدا، ننسى أحيانا حقيقة بسيطة لكنها قاسية جدا ..... ليس كل ما يعرف يقال، وليس كل ما يكشف يحتمل..... هناك وهم كبير نعيشه يوميا، وهو أن معرفة كل ما يدور حولنا يمنحنا قوة ونفوذ، لكن الواقع مختلف تماما، فبعض المعرفة لا تقوينا، بل تتحول إلى عبء نفسي ثقيل يكسر القلب ويرهق العقل والفؤاد.
نحاول مرارا أن نعرف ما يقال خلف ظهورنا؟ وكم مرة بحثت في تفاصيل لم تراها بعينك ولم تسمعها بأذنك؟ ربما ظننت يوما أن الحقيقة ستريحك وتهدء فكرك، لكنها في كثير من الأحيان كانت أشد إيلاما من الجهل في الشيء نفسه..... الفضول، رغم أنه جزء طبيعي من الإنسان، إلا أنه قد يتحول إلى سلاح مدمر إن لم تحسن استخدامه بالشكل الأمثل.
الإنسان بطبيعته يحب أن يفهم ما حوله ويربط الأحداث ويكتشف ما وراء كل شيء مجهول بالنسبة له، لكن هناك فرق كبير بين الفهم والتطفل... على ما لا يعنيه.... عندما تصر على كشف كل شيء، قد تكتشف مشاعر لم تكن مستعدا لها، وقد تسمع كلمات لم تقال لك أصلا، وقد تخسر أشخاصا لم يكن من الضروري أن تخسرهم في حياتك، ليس لأنهم سيئون بطبعهم، بل لأنك رأيت ما لم يكن يجب أن تراه فيهم.
يقال إن النور يكشف الحقيقة بشكل أكثر وضوحا، لكن النور إذا زاد عن حده قد يتحول إلى عتمة من نوع آخر غريب وعجيب في نفس الوقت..... فليس كل زاوية تحتاج إلى إضاءة، وليس كل تفصيل يستحق أن يكشف على الملأ...... عندما ترى كل التفاصيل، تفقد القدرة على التسامح والتصالح مع الذات، وتصبح كافة الأمور أكثر حساسية تجاه الكلمات والمواقف، وتبدأ بتفسير تصرفات الاشخاص بشكل سلبي، بينما لو بقيت بعض الأمور مخفية، لبقيت العلاقات أكثر هدوءا وجمالا واستدامته.
ليس كل ما يحدث وراءك يستحق المواجهة والتعبير عنه، فهناك معارك لا تستحق أن تخوضها، وحقائق لا تستحق أن تكشف، وكلمات قيلت في لحظة ضعف أو غضب لا تستحق أن تحاسب عليها أحدا.
القوة الحقيقية لا تكمن في معرفة كل شيء حولك، بل في القدرة الشاملة على اختيار ما يجب تجاهله بوعي ونضج.
قد تبدو فكرة أن راحة بالك أهم من الحقيقة صادمة للبعض، لكنها في الواقع من أكثر الأفكار نضجا، فليست كل حقيقة مفيدة، وليست كل معرفة ضرورية للفرد أحيانا، السلام الداخلي أهم من معرفة تفاصيل لن تغير شيئا سوى حالتك النفسية، لذلك، من الحكمة أن تسأل نفسك قبل البحث...... هل هذه المعلومة ستفيدني؟ هل ستصلح شيئا؟ أم أنها ستؤلمني فقط؟
فمن غير المهم أن تفهم كل ما يدور حولك، ولا أن تبرر كل تصرف، ولا أن تحلل كل كلمة..... أحيانا تكون النجاة في التجاهل، في أن تغلق بعض الأبواب بإرادتك، وأن تختار نفسك قبل أي شيء آخر..... تجاهل ما يتعبك ويأرق راحتك، وتجاهل ما لا يخصك وما لايعنيك، وتجاهل مالا يضيف إلى حياتك سوى القلق والتوتر.
إن محاولة معرفة كل ما يحدث من وراء ظهرك قد تكلفك أكثر مما تتوقع..... فليست كل الحقائق مناسبة لك، وليست كل الأمور تستحق أن تكشف..... النور الزائد ليس دائما هداية وبصيرة، بل قد يكون سببا في العمى، لذلك، اختر راحة بالك، حتى لو كان ذلك على حساب بعض الحقائق.......
إلى من يبحثون عن النور الزائد كفاكم .....