من حق المعارضة أن تسرح وتمرح في أروقة البرلمان عندما تكون قوى الموالاة تُعاقر السلبيّة واللامبالاة، وتعجز عن اصطياد المواقف النَّبيلة التي لا تخلق عبئاً على الدَّولة، وتعيد قواعد التَّنافس السياسي في كسب ثقة الجمهور إلى مساحات معقولة في تطبيق قواعد اللعبة الدِّيمقراطية وفق منطق الالتزام بقرار الأكثرية واحترام رأي الأقلية، وتحسين موقع الموالاة الرَّاشدة العاقلة في ضمير النَّاس، ولعل الممارسة التي تناثرت بين الاستقواء والإقصاء، وغياب الوعي والجديّة في تقديم سلوك حصيف يوازن بين مصالح الدَّولة ومطالب الشَّعب الأساسيّة.
في كلِّ البرلمانات النَّاضجة تتنافس قوى الموالاة مع المعارضة؛ لتمرير مصالح الدَّولة من خلال تقديم مُقاربة عقلانيّة لإكراهات الحكم، وخطاب صادق يتفهمه النَّاس، وتقديم المُمكن والمُتاح وفق قواعد العدالة والشَّفافية والنَّزاهة؛ أقول في كلِّ مكان يحدث هذا إلّا في وطننا السيّد المظلوم الذي تتنافس قوى الموالاة فيما بينها، وتكتفي بجلد المُعارضة دون فعل يُعيد للموالاة العاقلة العادلة لونها الوطني الشَّّريف الذي كرَّسهُ البُناة الأوائل منذ باكورة التَّأسيس.
كم من الأغلبيّة البرلمانية تكفي لاستعادة صورة الموالاة الرَّاشدة التي رافقت بناء الدَّولة، وكم من الثِّقة نحتاج لاستعادة جمهور الغاضبين منّا دون أن نجرح أحد؟ ألم يحن الوقت لمغادرة مساحات الخلط بين العام والخاص؟ وهل قدرنا أن نخسر الجولة تلو الأخرى بالنقاط، ونتبادل الاتهامات بعد كلِّ مخاض انتخابي؟ ولعل ما حدث بالأمس تحت القبّة يُنذر بحالة من عدم اليقين لدى قوى الموالاة بقدرتها على اختطاف مواقف إيجابية وتسليف قرارات يمكن تحقيقها وتستأثر باهتمام الناس.
قلنا ألف مرة أن غلبة الموالاة على اختلاف أساليبها ونواياها وممارساتها الخفية والمُعلنة لا ترتبط بنتائج التَّصويت، وإنما بمقاربات عاقلة تستعيد ثقة الجمهور وقد أضحينا على مرمى حجر من صناديق الاقتراع البلدية والنِّيابية والنَّقابيّة والطلّابيّة، وبدون أن تدرك الحكومة أن من أهم واجباتها تحصين الموالاة من مخاطر التَّبعيّة غير المحسوبة ستبقى حالة التَّنافس النَّخبوي ماثلة في مواقع البرلمان والحكومة دون الاهتمام بمصالح الدَّولة العليا في بناء موالاة ناضجة وواعية لمخاطر المستقبل.
أنصح قوى الموالاة المُمثلة في البرلمان بالاعتماد على بناء الثِّقة مع الناس، وعدم الرِّهان على أمنيات الشيطنة والإبعاد، وأنصح الحكومة أكثر بانتاج فريق سياسي يمتلك قواعد الخبرة في إدارة المشهد العام، ومراجعة نهجها في مفاهيم التَّحديث السياسي، وأدبيات التَّعامل في الشَّأن الحزبي والبرلماني إن أرادت فعلاً احترام كرامة الأردنيين، وتنفيذ التزاماتها تجاه كتاب التَّكليف السَّامي وبيانها الوزاري.