السردية الأردنية .. هوية متجذّرة لا صيغة عابرة
د. بركات النمر العبادي
08-04-2026 11:33 AM
حين تحدّث دولة الدكتور عبدالرؤوف الروابدة عن السردية الأردنية ، لم يكن يستعيد وقائع من أرشيف الدولة بقدر ما كان يستنطق روحها. فالسردية ، كما تتجلى في وعي الدولة الأردنية ، ليست خطاباً جامعاً بالمعنى الإنشائي الذي يذيب الفوارق ويُسطّح الخصوصيات ، بل هي هوية وطنية أردنية تشكّلت عبر سياق تاريخي عميق ، وراكمت مع الزمن خصوصيتها السياسية والاجتماعية والثقافية.
الأردن ، بطبيعة تكوينه التاريخي ، لم يكن مشروعاً طارئاً ولا تركيباً اصطناعياً ، بل كياناً تخلّق في لحظة عربية مفصلية ، واستطاع أن يصوغ لنفسه شخصية سياسية واضحة المعالم . هذه الشخصية لم تُبنَ على فكرة “الجامعة” التي تُذيب الهويات في إطار فضفاض ، وإنما على مفهوم الهوية الوطنية الجامعة لأبنائها، هوية تعرف نفسها ، وتدرك جذورها ، وتؤمن بخصوصيتها دون أن تنفصل عن عمقها العربي والإسلامي.
السردية الأردنية في جوهرها هي سردية الإنسان الأردني ؛ الإنسان الذي تشكّل وعيه على قيم المحافظة الفطرية ، والاعتدال ، والإيمان بالدولة ومؤسساتها . وهي سردية تؤمن بأن الاستقرار ليس حالة أمنية فحسب ، بل خياراً حضارياً وأخلاقياً ، وأن التدرّج في البناء أقوى من القفز في المجهول . لذلك بقي الأردن ، رغم العواصف الإقليمية ، متمسكاً بثوابته ، حارساً لتوازنه ، حريصاً على ألا يفقد ذاته في صخب التحولات.
وفي قلب هذه السردية تقف القيادة الهاشمية بوصفها رمز الوحدة الداخلية وأساس البنية الملحمية لقيام الدولة ، فالهاشميون لم يكونوا مجرد قيادة سياسية ، بل عنواناً للشرعية التاريخية ، وامتداداً لرمزية دينية وقومية أعطت للدولة معناها الأخلاقي قبل بعدها الإداري ، ومن هنا تعمّقت اللحمة الداخلية، وترسّخ الارتباط العضوي بين الأردن وأمته العربية والإسلامية، ارتباطاً يقوم على المسؤولية لا على الشعارات ، وعلى الفعل التاريخي لا على الخطاب المجرد.
لقد أحسن دولة أبو عصام في إعادة التذكير بأن السردية الأردنية ليست نصاً مكتوباً يُقرأ ، بل ممارسة يومية تُعاش ، هي في الجيش الذي صان الأرض ، وفي المؤسسات التي حافظت على الدولة ، وفي المجتمع الذي احتضن التنوع دون أن يفقد وحدته ، وهي في تمسّك الأردنيين بهويتهم الوطنية بوصفها إطارهم الجامع ، لا بديلاً عن عمقهم العربي ، بل صيغة متوازنة تعي ذاتها وتعتز بها.
إن السردية الأردنية ، بهذا المعنى ، ليست تأخراً في الكتابة بقدر ما هي رسوخ في التكوين ، فهي لم تتشكل في غرف التنظير ، بل في معترك التاريخ ، وفي امتحانات البقاء ، وفي إيمان الأردنيين بأن دولتهم قدرهم المشترك ، وأن هويتهم الوطنية هي ضمانة استمرارهم، و كل التقدير لدولة الدكتور عبدالرؤوف الروابدة على هذا الطرح العميق الذي أعاد الاعتبار لفكرة السردية بوصفها وعياً وطنياً متراكماً ، وأعاد التذكير بأن الأردن ، بخصوصيته التاريخية العميقة وتمسّكه بقيمه المحافظة الفطرية، وبإيمانه بقيادته الهاشمية ،إنما يكتب سرديته كل يوم بالفعل قبل القول.
حمى الله الهوية الوطنية الاردنية من كل سوء .
* حزب المحافظين الاردني