من الهشاشة إلى المنعة .. رؤية فكرية لبناء شرق أوسط آمن ومستقر
د. هيفاء ابوغزالة
08-04-2026 04:03 PM
شهدت جمعية الشؤون الدولية مساء الثلاثاء 7 نيسان لقاءً فكريًا حواريًا لافتًا حمل عنوان “من الهشاشة إلى المنعة في بناء شرقٍ أوسطٍ جديدٍ آمنٍ ومستقرٍ ومستدام”، قدّمه دولة الدكتور عدنان بدران رئيس الجمعية، بحضور نخبة من السياسيين والدبلوماسيين والإعلاميين والإعلاميات والمفكرين المهتمين بمستقبل المنطقة. وجاءت المحاضرة في لحظة دقيقة تمر بها المنطقة، حيث تتقاطع الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية لتطرح سؤالًا مصيريًا حول قدرة الشرق الأوسط على الانتقال من واقع الهشاشة إلى فضاء المنعة والاستقرار.
استهل بدران حديثه بالتأكيد على أن ما تعيشه المنطقة اليوم لم يعد مجرد أزمات عابرة، بل تراكمًا معقدًا من الاختلالات البنيوية التي أصابت بنية الدولة والمجتمع. فالهشاشة، كما أوضح، ليست ضعفًا مؤقتًا، بل حالة عميقة تتجلى في ضعف المؤسسات، وتراجع القدرة على إدارة الأزمات بفاعلية، وتآكل الثقة بين المواطن والدولة، إضافة إلى تصدعات في النسيج الاجتماعي.
وأشار إلى أن أحد أبرز أسباب هذه الهشاشة يعود إلى ضعف ترسيخ مفهوم المواطنة الجامعة. فعندما تغيب الهوية الوطنية القادرة على استيعاب التنوع، تنشأ هويات مجزأة تبحث عن سند خارج إطار الدولة. ومع مرور الزمن تتحول هذه الهويات إلى عامل انقسام داخلي يضعف التماسك المجتمعي ويزيد من هشاشة الدولة.
وأوضح بدران أن الهشاشة في الشرق الأوسط تتجلى في أربعة أبعاد مترابطة؛ ففي البعد السياسي يظهر الخلل في ضعف المؤسسات وغياب الحوكمة الرشيدة، ما يحدّ من قدرة الدولة على إدارة الأزمات واتخاذ القرارات الاستراتيجية. وفي البعد الاقتصادي تتجسد التحديات في تباطؤ النمو واتساع الفجوات التنموية وارتفاع معدلات البطالة. أما البعد الاجتماعي فيظهر في اتساع الفوارق الاجتماعية وتراجع العدالة في توزيع الفرص، الأمر الذي يؤدي إلى تآكل التماسك المجتمعي. وفي البعد الأمني تتجلى الهشاشة في النزاعات والصراعات التي تستنزف موارد الدول وتعرقل مسارات التنمية والاستقرار.
وفي مقابل هذا الواقع، طرح بدران مفهوم المنعة بوصفه المدخل الاستراتيجي للخروج من دائرة الهشاشة. فالمنعة لا تعني فقط الصمود أمام الأزمات، بل تعني القدرة على التكيف مع التحديات وتحويلها إلى فرص للنهوض وإعادة البناء. وأكد أن تحقيق المنعة يبدأ بإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، لأن الدولة القوية تُبنى على ثقة مواطنيها بعدالة مؤسساتها وفاعلية سياساتها.
كما شدد على أن بناء القدرة الأمنية الحقيقية لا يمكن أن يتحقق دون استقرار سياسي واقتصادي واجتماعي، فالأمن ليس مجرد أدوات أو إجراءات عسكرية، بل هو منظومة متكاملة تقوم على الاستقرار والتنمية والثقة المجتمعية.
وفي معرض الإجابة عن السؤال الأهم: ماذا علينا أن نفعل؟ دعا بدران إلى التفكير بجرأة في نموذج إقليمي جديد يعيد صياغة التعاون بين دول المنطقة، ويؤسس لشرق أوسط أكثر قدرة على مواجهة التحديات الكبرى. وأشار إلى أن هذه التحديات، وفي مقدمتها استمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني الصهيوني وما يرافقه من محاولات لفرض وقائع جديدة على الأرض، تتطلب موقفًا عربيًا موحدًا ورؤية استراتيجية مشتركة.
وأكد بدران أن الطريق نحو مستقبل أكثر استقرارًا يمر عبر تعزيز العمل العربي المشترك تحت مظلة مؤسسات إقليمية فاعلة مثل جامعة الدول العربية أو من خلال أطر تعاون أكثر تطورًا. غير أنه شدد في الوقت ذاته على أن احترام السيادة القطرية للدول يمثل شرطًا أساسيًا في أي مشروع إقليمي ناجح، إذ لا يمكن بناء شرق أوسط جديد ومستقر دون الحفاظ على استقلال الدول وقرارها الوطني، وفي الوقت نفسه تطوير آليات تعاون وتكامل تعزز المصالح المشتركة.
وأشار بدران إلى أن المنطقة بحاجة إلى مشروع عربي جامع يقوم على التكامل الاقتصادي والتعاون السياسي والأمني، بما يمهد الطريق لقيام سوق عربية مشتركة وتعاون إقليمي حقيقي، مستلهمًا التجارب الدولية الناجحة مثل تجربة الاتحاد الأوروبي التي استطاعت تحويل قارة عانت الحروب والصراعات إلى فضاء من التعاون والتنمية المشتركة.
واختتم بدران محاضرته بالتأكيد على أن بناء شرق أوسط جديد لن يتحقق بالشعارات، بل عبر تعزيز المنعة الداخلية للدول، وترسيخ المواطنة الجامعة، واحترام السيادة القطرية، وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتطوير منظومة تعاون إقليمي قادرة على حماية المصالح العربية وصناعة مستقبل أكثر استقرارًا وأمنًا للأجيال القادمة