العرب في زمن انهيار اليقين الاستراتيجي
د. بركات النمر العبادي
11-04-2026 03:25 PM
من المبكر الجزم بأن وقف الحرب الحالي هو تمهيد مباشر لجولة تفاوض مستقرة ، لأن ما يجري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ، وإيران من جهة أخرى ، لا يشبه الحروب التقليدية التي تنتهي بانتصار واضح أو هزيمة قاطعة ، بل يدخل ضمن نمط جديد من الصراعات يمكن تسميته بـ"حروب إعادة تشكيل التوازن". في هذا النوع من الحروب ، لا يكون الهدف القضاء الكامل على الخصم ، بل إنهاكه ، و تقليم أظافره ، وإعادة ضبط سقف قوته ضمن حدود مقبولة استراتيجياً.
الولايات المتحدة وإسرائيل ، على الأرجح ، لا تنظران إلى الضربات ضد إيران باعتبارها خاتمة الصراع ، بل باعتبارها أداة ضغط لإجبار طهران على التفاوض من موقع أقل قوة ، وفي المقابل ، ترى إيران أن حق الرد ليس فقط مسألة سيادة ، بل ضرورة رمزية واستراتيجية لإثبات أنها ما زالت قادرة على فرض معادلة الردع ، لهذا ، فإن احتمال تجدد القصف يبقى قائماً ، كما يبقى احتمال الانتقال إلى تفاهمات غير مكتوبة قائماً أيضاً ، لأن الحروب الحديثة كثيراً ما تنتهي باتفاقات صامتة لا تُعلن ، لكنها تُفهم من خلال توقف النار وحدود الرد.
ما نشهده اليوم هو بالفعل آلية حديثة لفض النزاعات ، لكنها آلية خطيرة : حرب قصيرة ، ضربات مركزة ، استهداف للبنية التحتية الحساسة ، وضرب "تحت الخصر" ، أي استهداف مراكز الطاقة ، الاتصالات ، الاقتصاد ، والرموز السيادية ، تحت ذرائع لم تكن مألوفة في قوانين الحرب التقليدية ، و لم تعد الجيوش وحدها هي الهدف ، بل الدولة كلها أصبحت ساحة قتال : مصارفها ، موانئها ، شبكاتها الرقمية ، وحتى معنويات شعوبها.
أما عن من هو المنتصر، فهو الأكثر تعقيداً ، لا إسرائيل خرجت آمنة بالكامل ، لأنها تلقت لأول مرة ضربات مباشرة هزّت صورة تفوقها المطلق ، ولا الولايات المتحدة ربحت استراتيجياً ، لأنها أكدت مرة أخرى أنها عاجزة عن فرض استقرار دائم رغم تفوقها العسكري ، أما إيران ، فرغم خسائرها المادية والبشرية ، فقد حققت مكسباً سياسياً ومعنوياً بالغ الأهمية : لقد فرضت نفسها طرفاً لا يمكن تجاوزه ، وأثبتت أنها قادرة على نقل المعركة إلى العمق الإسرائيلي ، وهذه في منطق الصراع الإقليمي نقطة تحول كبرى.
لكن الخاسر الحقيقي ، كما هو واضح ، هو العالم العربي ، وخاصة دول الخليج. فهذه الحرب كشفت هشاشة الأمن العربي الجماعي ، وأظهرت أن المنطقة العربية تقع جغرافياً واستراتيجياً داخل مدى النيران الإيرانية ، من دون امتلاك منظومة ردع مستقلة وفعالة ، و الأخطر من ذلك أن العرب اكتشفوا مرة أخرى أن التحالف مع الولايات المتحدة لا يعني ضمان الحماية الكاملة ؛ فواشنطن تتدخل حين تتقاطع مصالحها المباشرة مع أمن إسرائيل ، لا حين يكون الخطر موجهاً فقط نحو حلفائها العرب.
المعضلة التي ستواجه الخليج مستقبلاً ليست فقط خطر الصواريخ الإيرانية ، بل سؤال السيادة الاستراتيجية : كيف يمكن لدول تعتمد أمنياً على الخارج أن تبني توازناً رادعاً في بيئة إقليمية تتغير بسرعة ؟ وهل تستطيع هذه الدول الاستمرار في الاعتماد على المظلة الأمريكية بعد أن ثبت أن أولويات واشنطن ليست متطابقة مع أولوياتها ؟ فلسفياً ، نحن أمام انهيار مفهوم "الحليف الحامي" وصعود مفهوم "الحليف المصلحي". في عالم اليوم ، لا أحد يحارب من أجل أحد مجاناً ، ولا أحد يردع خصماً إلا بقدر ما يخدم ذلك مصالحه ، وهذه الحقيقة تضع العرب أمام استحقاق تاريخي: إما بناء منظومة أمن عربي ذاتية ، سياسية وعسكرية وتقنية ، وهذا ما يعزز ضرورة الانخراط في توجهات الفكر المحافظ العربي نحو مزيدا من المنعة و الردع المشروع للدفاع عن الحضور الوجودي العربي ورفع شأن الكرامة العربية عاليا ، أو البقاء أسرى خرائط الردع التي يرسمها الآخرون.
حمى الله الاردن وجميع البلاد العربية من كل كريهة
*حزب المحافظين الاردني - مساعد الامين العام للتثقيف الحزبي