facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأردن: استدارة للداخل أم للخارج؟


د. علي عبدالسلام المحارمة
13-09-2026 08:49 AM

يخرج علينا بين الفينة والأخرى سياسي عتيق مدجج بالوطنية الجامحة أو آخر محلل محلّق وطموح برؤيته وتحليله لمشكلات الوطن وتشخيص جذورها، ويصل معنا من سرد طويل للأحداث وبعد إمعان فكره وتأمله أن مشكلات الأردن نابعة من اهتمامه بقضايا خارج حدوده، وأن وصفته للحل العظيم هي بالاستدارة للداخل وصرف الاهتمام عما سواه.

إن هذا الطرح التسطيحي لا يمر بلب عاقل ولا تأخذ من اهتمام من يتحلى بالعمق والحكمة والوعي أي قدر من الاهتمام، ولولا انتشار هذا الفكر التقوقعي ورواجه بين بعض الجماهير لما أسلت قلمي للرد عليه، ولكنني أفنده ليس لكي يرعوي من ينادي به، بل فقط سعياً لوقف انجراف الجمهور حول شعارات مثل هذه.

فلم يُعرف عبر التاريخ مثل هذا النموذج التافه للأوطان التي تغلق أسوارها وتتشرنق على ذاتها وتهمل كل الأخطار المحيطة بها بذريعة أنها لا تعنيني؛ كما أن أبجديات الأمن القومي بمفهومه الشامل تبدأ من الاهتمام بكل المصادر المحتملة التي تهدد الأمن الوطني سواءً من الداخل أو الخارج.

ولا يمكن بناء مصادر قوة ومنعة للدولة بالاعتماد على الانغلاق، والانعتاق من المشاركة والمزاحمة والمدافعة مع العناصر الخارجية، وأعلى هدف للسياسة الخارجية للدول بشكل عام هو تحقيق المكانة الدولية التي تولّد الأمان والاحترام لها، فكيف سيتحقق ذلك وأنت تغرس رأسك في رمال الداخل وتغمض أعينك عن كل ما يدور في الأفق؟

إن أصحاب نظرية الاستدارة للداخل يعتقدون بأن انشغال الأردن بقضايا المنطقة قد كلّف الوطن أثمان باهظة أوصلتنا لهذا الردى الذي نحياه اليوم، وأنه كان من الأجدى أن ننصرف عن كل هذه الأزمات وننشغل فقط بقضايانا نحن في الداخل، ولكنني هنا أضطر لمراجعة ثوابت السياسة الأردنية منذ عقدين وأكثر.

حيث أُطلق مفهوم "الأردن أولاً" من قبل جلالة الملك عبدالله الثاني في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2002، لتعزيز أسس الدولة الديمقراطية العصرية، وهي خطة عمل تهدف إلى ترسيخ روح الإنتماء بين المواطنين، للعمل كشركاء في بناء الأردن وتطويره، لكن الخلل العظيم جاء من فهم الشعار وتطبيقه، ذلك الفهم المبتور الذي جعلنا ننظر لما يدور في السويداء عند عتبة الوطن الشمالية بأنه شأن سوري، وما يجري في فلسطين بأنه أمر لا يعنينا، وفي العراق وفي كل مكان من الأقليم المجاور، وهو الوطن العربي على اتساعه، وسرعان ما أثبتت أحداث التاريخ بأن كل أمر يدور في الجوار له انعكاسه وتأثيره على الوطن لا يمكن لنا التواري عنه.

وبالتالي، فإن هذه الفئة التي تدعو اليوم للاستدارة إلى الداخل قد استدارت للداخل منذ العام 2002، وإذا أردتُ الرد عليهم بطريقتهم لقلت لهم: إن تردي أوضاعنا بالمجالات كافة كان نتيجة لتلك الاستدارة للداخل عبر أكثر من عقدين، والتي تجددون المطالبة بها اليوم.

الأردن هو قلب الوطن العربي النابض، وقوته وشرعيته الراسخة نابعة من حمله للواء الثورة العربية الكبرى وحلم وحدة العرب وحريتهم ومنعتهم، والأردن ولد في إقليم محيط متلاطم الأحداث والصراعات والحروب والانقلابات والثورات، ولم يولد عند سفوح جبال الألب الرومانسية، والهاشميون القرشيون عبر الدهر هم قادة الأمة وسادتها، وهموم الأمة دوماً في صميم وجدانهم، والأردنيون هم خلاصة الإرث العظيم للحضارة العربية الإسلامية على اتساعها، ووجدانهم هو مرآة لهذه الحضارة التي لا يمكن تحجيمها.

كما أنك تزداد ذهولاً أمام هذه الدعوات إذا ما أدركت أن توقيتها على درجة من الغباء تفوق التسامح، فكيف لنا أن نتقوقع وبناء التحالفات، ونيران الحروب تدور في الأفق، بل إننا في أتونها، كما أن العالم أصبح اليوم بمثابة قرية أو حارة، إذ يدرك كل عاقل أن ما يجري في فنزويلا والأرجنتين يؤثر على أذربيجان وكازاخستان؛ فكيف لكم أن تطالبونا بالاستدارة للداخل وإغفال ما يدور على بعد مفحص قطاة من عمّان؟

ومن جانب آخر، فإن الدعوة للاستدارة للداخل تتضمن بطياتها اتهام مباشر للدولة بسلطاتها وأجهزتها المختلفة بأنها كانت تهمل الاهتمام بالوطن في السابق، وأنها كانت تسخّر جهودها وطاقاتها لخدمة أجندة ومصالح خارجية، وهذا الأمر تفنده جميع المعطيات.

قوة الداخل وازدهاره ومنعته تتحقق عندما نمتلك رؤية شاملة للمصالح الوطنية العليا التي تقتضي أن نزاحم وننخرط ونشارك ونكافح من أجلها سواءً كانت في الداخل أم على بعد آلاف الأميال من عمان، وان نستعيد بريق طرحنا القومي العروبي الذي نحمل رايته منذ قرن بلا كلل أو ملل، لأننا أصحاب رسالة قبل أن نكون أصحاب مصالح في هذه الرسالة أيضاً.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :