لم يكشف الاعتداء الذي استهدف كنيسة حمود في الكرك فداحة الخسارة الإنسانية وحدها، بل انحدار الفكر المتطرف حين يبلغ مرحلة تتلاشى فيها الحواجز الدينية والأخلاقية أمام سفك الدماء، حين يصبح بيت العبادة هدفًا للرصاص وفي لحظة وداع الموتى، فنحن أمام عقل لا تردعه قدسية المكان، ولا تستوقفه حرمة الموت، ولا يرى في الإنسان قيمة تستوجب صون حياته، بما تتجاوز الجريمة حدود ضحاياها المباشرين لتكشف طبيعة فكر يرى في الاختلاف مبررًا للإقصاء، وفي العنف وسيلة لفرض تصوراته على المجتمع.
وفى جلالة الملك عبدالله الثاني بوعده بأن ينال مرتكبوها جزاءهم، والقوى الأمنية لمملكتنا تضع حياة مواطنيها وكرامتهم في صميم مسؤولياتها ولا تكتفي بإدانة الاعتداء، وتمت ملاحقة المجرمين وتقديمهم إلى العدالة، إيمانًا منها بأن المواطن ليس مجرد فرد تحميه القوانين، بل هو جوهر الأمن الوطني وغاية وجودها.
وقد أكدت هذه الاستجابة أن أمن الأردنيين ليس وعدًا يُقال في لحظات الأزمات، بل مسؤولية تُترجم إلى عمل ومحاسبة وأن محاولات بث الفرقة بين أبناء الوطن لن تجد في الدولة تهاونًا ولا في المجتمع ما يتيح لها تحقيق غاياتها، فالحزم في إنفاذ القانون، والوفاء بحق الإنسان في الحياة والأمان، هما التعبير الحقيقي عن قوة الدولة، وعن التزامها بأن تبقى كرامة كل أردني مصونة، فالاعتداء على المواطنين، محاولة للنيل من فكرة الدولة التي يتساوى أبناؤها في الحقوق والكرامة، ويجمعهم الانتماء قبل أي اختلاف، وبهذا يؤكد جلالته بأن القيادة لا تنفصل عن حماية كرامة المواطنين، وأن مواجهة التطرف تتطلب وضوحًا في الموقف وحزمًا في إنفاذ القانون، وأمن الأردنيين ووحدتهم خط أحمر.
فلم تبدأ الحكاية في مملكتنا من محاولة الاعتداء على التآخي بين الاردنيين، فأساس العلاقة بينهم متين وليس ترتيبًا سياسيًا طارئًا أو مجاملة اجتماعية قابلة للانهيار بل حقيقة رسختها الحياة المشتركة والمصير الواحد والانتماء إلى وطن لم تكن مواطنته يومًا حكرًا على دين أو طائفة، فلسنا أمام مجتمع يحتاج إلى إعادة اكتشاف بعضه بعضًا بعد كل جريمة، بل أمام مجتمع يعرف أن الاعتداء على أي أردني هو اعتداء عليه كله.
حافظ الأردن على تماسكه في محيط إقليمي مثقل بالنزاعات، ولا يحتاج إلى الاكتفاء بتأكيد قيم العيش، فالتماسك الوطني ليس شعارًا يُرفع عند الأزمات، بل رصيد يتكون عبر التاريخ وتدعمه مؤسسات الدولة ومواقف المجتمع.
وقد ثبت الموقف الأردني الجامع ذلك إزاء الجريمة برفض تحويلها إلى مناسبة لإثارة الكراهية، فالمعركة الحقيقية ليست بين مكونات المجتمع الأردني، بل بين دولة تصون الإنسان وفكر يستبيحه وبين مواطنة تقوم على الحقوق المتساوية وعقلية لا تتسع إلا لمن يشبهها، فقد ينجح الرصاص في إزهاق الأرواح، لكنه لن يملك حق تعريف الأردنيين، ولا تقرير شكل علاقتهم ببعضهم ويبقى الاعتداء على أحدهما اعتداءً على القيمة التي تجمعنا جميعًا.
حمى الله أمتنا
حمى الله الاردن
الدستور