facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




‎صمت الدولة وضجيج القلم


د. رائد قاقيش
03-02-2026 10:33 PM

‎في الأردن، ليس كل من يصرخ باسم الدولة يحميها، وليس كل من يطالب بالصمت يحفظ الاستقرار. حين يتحول الدفاع عن الدولة إلى وصاية على العقول، ويُختزل النقاش إلى تخوين أو تبسيط، فإننا لا نخدم الدولة بل نُصغّرها. الدولة القوية لا تحتاج حراس أقلام؛ تحتاج مؤسسات واثقة وقانونًا يُطبّق.

‎خلف هذا الضجيج، هناك دولة تُدار بهدوء، بتوازنات معقّدة، وبمؤسسات متداخلة — واقع لا يختصره مقال، ولا يحكمه مزاج قلم، ولا تُدار به العواطف.

‎الدولة، في أي نظام راسخ، ليست بيانًا ولا شعارًا ولا صوتًا واحدًا. هي منظومة مركّبة من مؤسسات وأدوار وتقديرات، تعمل أحيانًا بتناغم وأحيانًا بتباينٍ صحي، وتُصحّح نفسها أحيانًا بصمت لا يظهر للرأي العام. الكتابة التي تختزل الدولة في سردية واحدة لا تحميها؛ بل تُضعفها، لأنها تجعلها تبدو متوترة وخائفة من السؤال بدل أن تظهر واثقة وقادرة على إدارة الاختلاف.

‎في كثير من مفاصل جهازنا العام ما تزال عقلية الإدارة تطغى على عقلية القيادة. الإدارة تحرس الواقع القائم وتخشى الخطأ، بينما القيادة تدير المخاطر وتصنع المستقبل. الإدارة تقيس النجاح بغياب الكارثة؛ القيادة تقيسه بخلق القيمة.

‎لكل دولة طبقة مؤسسية عميقة تحمل الذاكرة والخبرة والاستمرارية — وهذا عنصر قوة لا ضعف. لكنها، بحكم طبيعتها، تميل أحيانًا إلى الاستقرار أكثر من الابتكار، وإلى الحذر أكثر من المبادرة. التحدي ليس في تفكيكها، بل في موازنتها بقيادة استراتيجية تدفع الدولة إلى الأمام بدل أن تُجمّدها.

‎هناك مشكلة أخرى أقل ظهورًا وأكثر خطرًا. في كل دولة يوجد أفراد — داخل وخارج مؤسساتها — يعتقدون أنهم يمتلكون الجواب النهائي باسم الدولة، وأن تقديرهم أصدق من أي نقاش عام. بعضهم يتحرك بحسن نية، وبعضهم بدافع المكانة، وبعضهم بدافع المصلحة؛ لكن النتيجة واحدة: تضخيم دور ذاتي يتجاوز وزنهم الحقيقي، وصوت يتحدث وكأنه وصاية على الوطن لا رأيًا فيه.

‎هؤلاء لا يهدّدون الدولة بصدام مباشر، بل بأسلوب أكثر هدوءًا وخطرًا: يضيّقون أفقها، ويقصّرون نظرها، ويجعلونها تبدو أسيرة تقديرات قصيرة الأمد، بينما يقدّمون أنفسهم كـ“قيادات وطنية” لا تطلب سوى الخير. الخطر ليس في اختلاف الرأي، بل في ادعاء امتلاك الحقيقة، وفي تحويل القرب من الدولة إلى تفويض غير مكتوب للحديث باسمها.

‎إذا قُرئت الأوراق النقاشية الملكية قراءة سياسية لا احتفالية، فهي لا تطلب شعارات، بل دولة مؤسسات وقانون ومساءلة ومواطنة فاعلة؛ انتقالًا من إدارة الواقع إلى قيادة التغيير.

‎في كل دولة جدّية هناك ما يُقال، وما لا يُقال، وما يُفهم دون أن يُقال. قوة الدولة لا تُقاس بخطاباتها العلنية فقط، بل بقدرتها على إدارة هذا الحيّز الرمادي بين السياسة الظاهرة والسياسة الفعلية. حين تختلط الكتابة الدعائية مع هذا الحيّز، يتحول الرأي العام إلى متلقٍ مُربك بدل أن يكون شريكًا في الفهم.
‎لكن لا قيادة ولا رؤية تصمد من دون أساس صلب واحد: القضاء.

‎القضاء المستقل، النزيه، والقادر هو العمود الفقري للدولة الحديثة. الدولة التي تملك قضاءً قويًا تملك كل شيء تقريبًا؛ والدولة التي يضعف قضاؤها تفقد كل شيء تدريجيًا، حتى لو بدت قوية. ليست مصادفة أن التجربة السنغافورية انطلقت من أولوية القضاء النظيف والقادر؛ لأن الاستثمار، والثقة، وهيبة الدولة تُبنى على عدالة حقيقية لا شكلية.

‎القضاء هو ميزان الدولة الذي يحمي المواطن من تغوّل السلطة، ويحمي الدولة من فساد النفوذ، ويحمي الاقتصاد من اختطاف المصالح، ويحمي السياسة من العبث. استقلال القضاء ليس نصوصًا فقط، بل ثقافة ومؤسسات وموارد كافية، وحماية فعلية للقضاة، وشفافية في الأحكام، ومساواة أمام القانون بلا استثناءات. أي مشروع تحديث لا يبدأ هنا يبقى خطابًا بلا عمود فقري.

‎على الجانب الاقتصادي، النقاش السطحي يقول إن الخيار بين رجال الأعمال أو غيرهم. هذا تبسيط قاتل. الدولة ليست شركة، والمواطن ليس عميلًا، والعدالة ليست بندًا ماليًا. لكن الدولة أيضًا لا تُقاد بعقلية معاملات ورقية في عالم تنافسي سريع. إن كان هناك دور لقيادات اقتصادية داخل الدولة، فيجب أن يكون تحت حوكمة صارمة: عقود أداء واضحة، مؤشرات قابلة للقياس، منع تضارب المصالح، ومساءلة تحت رقابة القانون لا تحت المزاج. لا نفوذ بلا مساءلة، ولا مال بلا شفافية، ولا قرار عام بلا معيار عام.

‎التجارب الدولية لا تُستنسخ، لكنها تُقرأ بعمق. سنغافورة بنت قوتها بالقيادة والمؤسسات والمساءلة. كوريا الجنوبية قامت على شراكة منضبطة بين الدولة والسوق. ألمانيا رسّخت هيبتها عبر قانون يُطبّق على الجميع بلا استثناء. والإمارات حققت السرعة مع قواعد واضحة ومحاسبة قابلة للتحقق. القاسم المشترك ليس الشكل، بل الجوهر: مؤسسات كفؤة، قضاء مستقل، وثقة عامة.

‎الأمن في الدولة الحديثة ليس إدارة خوف؛ هو إدارة ثقة. الهيبة ليست إسكاتًا؛ هي احترام طوعي نابع من العدالة. والمواطنة ليست طاعة عمياء؛ هي مشاركة مسؤولة. الدولة التي ترى في المواطن تهديدًا افتراضيًا تُضعف نفسها، والدولة التي تراه شريكًا تُقوّي شرعيتها دون صراخ.

‎الأردن لا يحتاج نسخة جاهزة من الخارج، بل نموذجًا أردنيًا خاصًا: ملكية ضامنة للتوازن، دولة قادرة على التنفيذ، اقتصاد تنافسي بلا احتكار، مجتمع شريك لا متهم، وقضاء مستقل لا يُمسّ.

‎الدولة الأردنية أعمق من أن تُختزل في مقال، وأهدأ من أن تُدار بالصراخ، وأقوى من أن تُدار بآراء أفراد يدّعون امتلاك الحقيقة. من يريد الدفاع عنها حقًا، فليكتب بمستوى مؤسساتها لا بمستوى مزاجه، وليدرك أن الثقة تُبنى بالعدل والعمل الصامت، لا بالضجيج باسم الدولة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :