facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




التحول الأكبر في تاريخ البشرية


د. صالح سليم الحموري
03-02-2026 10:37 PM

في افتتاح القمة العالمية للحكومات، لم يكن الحديث عن تقنية جديدة أو مشروع مستقبلي، بل عن سؤال أكثر عمقًا وأبعد أثرًا: من هو الإنسان الذي نصمم الحكومات من أجله؟ فمن على منصة الافتتاح، بدا واضحًا أن العالم يقف أمام لحظة تاريخية فارقة، لا تتطلب تطوير السياسات فحسب، بل إعادة تصميم مفهوم الحكومات بالكامل، لمواكبة التحول الجذري في قدرات الإنسان وطبيعة حياته.

إذا قسنا عمر الإنسان إلى عمر الكون، فلن يتجاوز وجوده ما يشبه العشر ثواني الأخيرة. ورغم قصر هذه اللحظة، شهدت البشرية تحولات كبرى غيّرت مسار الحضارة. إلا أن التحول الذي نعيشه اليوم يختلف في جوهره عن كل ما سبقه؛ لأنه لم يحدث في المصانع أو المختبرات أو مراكز التكنولوجيا، بل حدث داخل الإنسان نفسه.

لسنوات طويلة، كان التقدم يُقاس بالآلة والإنتاج والسرعة. أما اليوم، فالتحدي الحقيقي لم يعد في مواكبة التكنولوجيا، بل في مواكبة الإنسان الذي تغيّرت قدراته، واتسعت آفاقه، وتبدلت طريقة تعلّمه وعمله وتفاعله مع العالم. نحن لا نعيش ثورة صناعية جديدة بالمعنى التقليدي، بل لحظة إعادة تعريف شاملة لما يعنيه أن يكون "الإنسان إنسانًا" في القرن الحادي والعشرين.

يقود هذا التحول أربع قوى رئيسية. أولها الذكاء الاصطناعي، الذي لم يعد مجرد أداة في يد الإنسان، بل أصبح شريكًا في التفكير والتحليل واتخاذ القرار "آنسالي". ففي مجالات مثل الطب، بات يرى ما لا تراه العين البشرية، ويدعم الأطباء في تشخيص أدق وأسرع. ومع التوقعات بارتفاع قدراته الحاسوبية خلال العقد القادم بمئات الآلاف من المرات، قد نشهد مستقبلًا يعتمد فيه التشخيص الطبي على الذكاء الاصطناعي بشكل شبه كامل.

القوة الثانية هي الطب المتقدم، الذي لم يعد يهدف إلى إطالة عمر الإنسان فقط، بل إلى إطالة عمره الصحي. فقد انخفضت تكلفة تسلسل الجينوم البشري بشكل غير مسبوق، ما فتح آفاق الطب الشخصي والكشف المبكر عن الأمراض قبل ظهورها بسنوات، وربما منذ مراحل مبكرة جدًا من الحياة. ومع تضاعف متوسط عمر الإنسان خلال القرن الماضي، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل العمل، والتقاعد، واستدامة الأنظمة الحكومية التي صُممت لأعمار أقصر بكثير.

أما القوة الثالثة فتتمثل في علوم الدماغ، حيث يُتوقع أن تكون الاكتشافات الكبرى القادمة داخل العقل البشري لا خارجه. فالدمج بين الذكاء الاصطناعي والعقل الإنساني يعيد تعريف التعلم والإدراك والقدرة البشرية، ومع تجارب تمكّن الإنسان من التحكم في الأجهزة باستخدام التفكير فقط، تصبح الحدود بين الإنسان والتقنية أكثر ضبابية واتساعًا من أي وقت مضى.

وتأتي القوة الرابعة من البيئة الرقمية، التي وسّعت الوجود الإنساني وغيرت إيقاع الحياة ومفهوم الهوية. يعيش اليوم أكثر من خمسة مليارات إنسان في عالم مترابط، بهويات رقمية متعددة، وتأثير متبادل، وزمن متسارع، ما أعاد تشكيل أنماط التركيز، والعلاقات، وطريقة التفاعل مع العالم.

عند التقاء هذه القوى الأربع، يولد إنسان جديد، بينما ما تزال كثير من الحكومات تعمل بأنظمة وأدوات صُممت لإنسان الأمس. ومن وجهة نظري، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في سرعة تطور التكنولوجيا، بل في "بطء تحوّل التفكير الحكومي". فالإصرار على إدارة عالم متغير بعقلية ثابتة هو وصفة مؤكدة لفجوة متنامية بين الدولة ومجتمعها. إعادة تصميم الحكومات لم تعد خيارًا إصلاحيًا، بل ضرورة وجودية، تبدأ من فهم عميق للإنسان الجديد: قدراته، وتوقعاته، ودوافعه، ومعناه.

ويؤكد التاريخ أن الحكومات في اللحظات المفصلية تقف دائمًا أمام ثلاثة مسارات: إما الاستشراف والاستباقية وقيادة التحول ورسم المستقبل، أو الاكتفاء بالمواكبة مع كلفة متزايدة ومعاناة مستمرة، أو التخلف والاندثار. فأخطر ما قد يحدث اليوم ليس التأخر عن التكنولوجيا، بل التأخر عن الإنسان نفسه.

وهنا، يتجلى التحول الأكبر في تاريخ البشرية.

*د.صالح سليم الحموري
كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :