أصبحت منصات التواصل الاجتماعي جزءاً من حياتنا اليومية.. تنقل الخبر، وتصنع الرأي وتفتح المجال أمام الجميع للتعبير عن أفكارهم. لكن هذه المنصات نفسها تحولت، في كثير من الأحيان إلى ساحات للمحاكمة الشعبية؛ حيث يتصدر البعض دور القاضي ويمنح نفسه حق إصدار الأحكام على الآخرين وتوزيع صكوك الوطنية أو التخوين أو حتى الإدانة الأخلاقية دون بينة أو مسؤولية.
الاختلاف في الرأي ليس ظاهرة جديدة بل هو جزء طبيعي من أي مجتمع حي. الجديد هو سرعة إصدار الأحكام واتساع نطاق انتشارها وقدرتها على الوصول إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق. فمجرد تعليق أو مقطع فيديو مجتزأ أو تغريدة قد تكون كافية لتشويه سمعة إنسان أو التحريض ضده أو عزله مجتمعياً قبل أن تتضح الحقيقة أو تُعرف جميع الوقائع.
حرية التعبير قيمة دستورية وقانونية وهي من أهم الضمانات التي تقوم عليها المجتمعات الحديثة. لكن هذه الحرية لا تعني الاعتداء على كرامة الآخرين أو ممارسة التشهير أو نشر خطاب الكراهية أو التحريض على العنف والإقصاء. فالقانون يحمي الرأي لكنه لا يحمي الإساءة ويكفل حق النقد لكنه لا يمنح أحداً حق التجريح أو التحريض أو صناعة الاتهامات.
الأخطر من ذلك أن بعض مستخدمي المنصات الرقمية أصبحوا يتعاملون مع آرائهم بوصفها الحقيقة المطلقة ومع كل رأي مخالف باعتباره خروجاً على الوطنية أو القيم أو الانتماء. وهنا يفقد الحوار معناه، ويتحول الاختلاف إلى خصومة وتتحول المنصات الرقمية إلى بيئة تنتج الانقسام.
هذه الظاهرة تمس السلم المجتمعي أيضاً. فخطابات التخوين والكراهية تزرع الشك بين أبناء المجتمع وتغذي الاستقطاب، وتضعف الثقة بالمؤسسات وتمنح أصحاب الحسابات الوهمية مساحة أوسع للتأثير في الرأي العام ونشر المعلومات المضللة.
ولذلك فإن مسؤولية مواجهة هذه الظاهرة لا تقع على عاتق الجهات الرسمية وحدها بل تمتد إلى الجميع. فالمؤسسات التعليمية مطالبة ببناء الوعي الرقمي ووسائل الإعلام مطالبة بترسيخ ثقافة الحوار المسؤول والمنصات الرقمية مطالبة بتطوير آليات أكثر فاعلية للحد من المحتوى المحرض. كما أن المستخدم نفسه مطالب بأن يدرك أن الكلمة قد تكون سبباً في هدم حياة إنسان تماماً كما يمكن أن تكون سبباً في إنصافه.
ما يجب أن يقال اليوم هو أن أخطر ما يواجه الفضاء الرقمي ليس تعدد الآراء وإنما ثقافة إصدار الأحكام وتوزيع صكوك الوطنية أو الغفران أو التخوين من خلف الشاشات. فالأوطان لا تُبنى بالصراخ، ولا تُحمى بالاتهامات وإنما تُبنى بالحوار ويصونها القانون ويعززها احترام الإنسان وحقه في أن يختلف دون أن يتحول إلى هدف لحملات التشهير والإقصاء…