من عمر المختار إلى فلسطين
كابتن أسامة شقمان
31-10-2026 10:52 PM
شاهدت عبر مواقع التواصل الاجتماعي صورة قيل إنها للشهيد عمر المختار ملقى على الأرض بعد إعدامه. توقفت أمامها طويلًا، ثم وجدتني أتأمل ما يتجاوز المشهد نفسه. كيف يستطيع جسد ساكن أن يوقظ كل هذا القلق في الأحياء؟ وكيف تقودنا صورة من زمن الاستعمار إلى فلسطين، كأن المسافة بين الأمس واليوم أقصر مما توحي به السنوات؟ لم يكن ما استوقفني موت رجل قاوم احتلال بلاده فحسب، بل سهولة أن نكرّم شجاعة الراحلين، فيما نعجز عن الوفاء بما تفرضه علينا مآسي الذين يعيشون بيننا.
لا تكفي العبارة المكتوبة تحت الصورة لإثبات نسبتها إلى المختار، ولا يجوز أن تحل قوة التأثر محل التوثيق. فللذاكرة حق علينا في الدقة، كما أن للشهداء حقًا في ألا تُروى سيرهم بما لم يثبت. لكن التحفظ على هوية الجثمان لا يغلق السؤال الذي أثاره المشهد. ما الذي تريده القوة حين تعرض خصمها عاجزًا بعد موته؟ لعلها تسعى إلى جعل نهايته برهانًا على عبث مقاومته، ثم تكتشف أن السيطرة على الجسد لا تمنحها الكلمة الأخيرة في معناه وأن صورة أُريد لها إعلان الهزيمة قد تصبح شاهد اتهام طويل العمر.
من هذا السؤال يحضر عمر المختار في فلسطين، مع إدراك اختلاف الظروف والتجارب. ما يصل بينهما هو حق الإنسان في أرض لا يتحول بقاؤه فيها إلى تهمة وفي بيت لا يحتاج إلى تبرير وجوده، وفي مستقبل يستطيع أن يشارك في صنعه. وتبدأ مأساة الاستعمار حين تحتكر القوة تعريف الحقوق، فيصبح أمن المسيطر أصلًا تُرتب عليه السياسات، بينما تُعامل حرية الخاضع لسيطرته بوصفها مطلبًا قابلًا للإرجاء.
في غزة يتخذ هذا الاختلال صورته الأشد إيلامًا. فالبيت الذي يتحول إلى ركام لا يغيب وحده، بل تغيب معه تفاصيل كانت تمنح الحياة انتظامها. مكان المائدة، ودفاتر المدرسة ونافذة تنتظر عندها أم عودة أبنائها. لا تستوعب أعداد المباني المدمرة كل هذه الخسارة، مثلما لا يختصر إحصاء الضحايا ما ينقطع برحيل كل إنسان. وحين يصبح العثور على مأوى وطعام وعلاج معركة يومية، ينكشف مقدار المسافة بين الاعتراف النظري بكرامة البشر والاستعداد لحمايتها.
أما في الضفة الغربية، فيمتد السؤال إلى قدرة الفلسطيني على امتلاك يومه. الحاجز الذي يؤخر وصوله، والطريق الذي يُغلق أمامه، والخوف على أرضه وبيته، كلها تجعل التخطيط لأبسط شؤون الحياة أمرًا معلقًا على قرار سواه. هنا يُستهلك العمر في تدبير الوصول، ويغدو الوقت نفسه مجالًا للسيطرة. ما قيمة الحديث عن الفرص إذا كان الإنسان لا يستطيع ضمان بلوغه جامعته أو عمله أو حقله؟ وأي استقرار يمكن أن ينشأ حين يبقى الاعتيادي عرضة للانقطاع؟
لهذا لا يمكن اختزال الدولة الفلسطينية في عبارة تستكمل بها البيانات توازنها اللغوي. جوهرها أن يصبح للفلسطيني حق مستقر في تقرير مصيره ومؤسسات مسؤولة أمامه، وقانون يعرف من خلاله واجباته ويستطيع به حماية حقوقه. كما أن قيامها يضع على سلطتها التزامًا بالمحاسبة والعدالة وصون الحريات. فالاستقلال يستمد قيمته من حياة الناس داخله، ومن قدرتهم على بناء غد لا ترسم حدوده إرادة مفروضة عليهم.
وحين تتصدر الانتخابات الإسرائيلية النقاش، تنشغل الشاشات بالأسماء والمقاعد واحتمالات الائتلاف. لهذه التفاصيل آثارها والفروق بين السياسات تستحق الفحص الجاد. غير أن الاهتمام بها يفقد معناه إذا حجب السؤال الفلسطيني الأساسي. ماذا سيتغير في واقع الاحتلال والاستيطان؟ وما الذي سيمنح أهل غزة الأمان، ويعيد إلى سكان الضفة حرية الحركة، ويفتح طريقًا فعليًا إلى دولة مستقلة؟ ينبغي أن تُقرأ المنافسة السياسية من خلال أجوبة يمكن اختبارها في حياة المتأثرين بنتائجها.
هنا تبدو عبارة -تتبدّل الوجوه ويبقى القيد- تعبيرًا عن خيبة الفلسطيني حين تتغير الحكومات ولا يجد أثرًا لهذا التغيير في حياته. وقد يختلف المتنافسون في خطابهم وتحالفاتهم، لكن معيار الحكم عليهم يظل ما يفعلونه لإنهاء الاحتلال والاعتراف بحقوقه. فالتغيير الذي يستحق اسمه ينبغي أن يراه في أرضه وأمان أطفاله وحريته في تقرير مصيره، قبل أن يسمعه في خطابات الفائزين.
وتمتد المسؤولية إلى نظام دولي يمنح تعقيدات الحكم اهتمامًا أكبر مما يمنحه لنتائج استمرار الاحتلال. يُطلب من الفلسطيني انتظار الانتخابات، ثم تشكيل الحكومة، ثم اتضاح مواقفها، وكأن حياته قابلة للتوقف إلى أن تكتمل حسابات الآخرين. وخلال ذلك يكبر طفل بعيدًا عن بيته، ويفقد مريض فرصة علاجه، وتتبدد قدرة أسرة على البدء من جديد. التأجيل الذي يبدو للدبلوماسي فسحة للحركة قد يكون لصاحب المعاناة خسارة نهائية.
ولو استحضرنا موقف المختار في هذا المشهد، لكان السؤال الأجدر بالتأمل عن حدود الصبر الذي يُطلب من المظلوم. كيف يُنتظر منه الاطمئنان إلى التفاوض بينما تتغير الأرض موضوع التفاوض؟ وكيف يُدان غضبه من دون مساءلة الظروف التي راكمته؟ لا تعفي عدالة القضية أصحابها من مسؤولية خياراتهم، لكنها تُلزم من يحكم على تلك الخيارات بأن يرى القيود المفروضة عليهم، وألا يجعل هدوء الضحية شرطًا للاعتراف بمظلمتها.
وهذا يلزمنا أيضًا بمراجعة طريقتنا في التضامن. فقد نحمل فلسطين إلى خلافاتنا حتى يضيع أهلها بين الشعارات، أو نطالب من يعيش الخطر بثبات لا نختبره في أنفسنا ونحن آمنون. احترام الفلسطيني يبدأ بالإصغاء إليه، وبالدفاع عن حقه في النجاة والتعليم والعمل وتربية أطفاله. لا ينبغي أن يصبح استشهاده الطريق الوحيد إلى انتباهنا، ولا أن تتوقف محبته على موافقته تصوراتنا عن البطولة. للقضية العادلة أصحاب أحياء يستحقون أن يعيشوا، وأن يختاروا، وأن يختلفوا أيضًا.
كذلك لا يستقيم استحضار الماضي بوصفه زمنًا مكتمل الشجاعة، ثم إدانة الحاضر كله بالعجز. عاش المختار وسط الخوف والانقسام واختلال موازين القوة، ومن هنا تبرز قيمة موقفه وفي حاضر فلسطين أناس يتحملون مسؤولياتهم كل يوم، طبيب يواصل العلاج، ومعلم يحفظ صلة الأطفال بالتعلم، وصحفي يوثق، وأسرة تتمسك بذاكرة بيتها. الاعتراف بهذه الأفعال يعيد إلى المسؤولية معناها العملي، ويمنع احتكارها في صورة البطل الاستثنائي الذي ننتظر منه أن يعوض تقصير الجميع.
الخطر أن تتحول الذاكرة إلى وسيلة نطمئن بها إلى أنفسنا. نترحم على من قاوم بالأمس، ثم نتعامل مع مأساة اليوم كأنها خبر لا يخص قدرتنا على الفعل. والوفاء لا يكتمل بالتأثر، بل بما يتركه في سلوكنا، من تحرٍّ للحقيقة، وإسناد للمتضررين ورفض لتبرير انتهاك حقوقهم، ومطالبة جادة بمحاسبة المسؤولين. لكل إنسان مساحة يستطيع أن يتحمل فيها نصيبه، وإن ضاقت عن حجم الكارثة.
عدت من تلك الصورة إلى سؤال الحاضر. ستتبدل الحكومات، وستُعقد الانتخابات، وسيواصل السياسيون تقديم وعودهم. أما صدق التحول فيُقاس بما يجده الفلسطيني عند باب بيته وفي الطريق إلى أرضه، وفي قدرته على أن يحيا مواطنًا في دولة مستقلة ذات سيادة. هناك تُختبر الكلمات. وهناك يتبين إن كانت محبتنا لعمر المختار معرفة بما دافع عنه، أم مجرد حزن على رجل رحل، لا يوقظ فينا مسؤولية تجاه من لا يزالون ينتظرون حريتهم.