حين تصبح السيادة شرحًا لا اعتذارًا: لماذا يُستهدف الموقف الأردني؟
الدكتور عادل الوهادنة
24-01-2026 02:07 PM
لأن الدولة التي تعمل وفق القانون الدولي تُطالَب دائمًا بالتفسير، بينما تُعفى الدول التي تعمل بمنطق الأمر الواقع. الأردن دولة تلتزم بالاتفاقيات الدولية الموقعة والمسجلة، وتستند في سياساتها الخارجية إلى مرجعيات قانونية واضحة، ما يجعلها عرضة لمطالبات مستمرة بالتوضيح والتبرير. في المقابل، دول عديدة تتجاوز القانون دون أن تُسأل، بل أحيانًا دون أن تُسمّى. المفارقة أن الدول الملتزمة بالقانون تتحمل عبئًا إعلاميًا وسياسيًا أكبر من غيرها، وكأن احترام الشرعية أصبح سببًا إضافيًا للمساءلة لا للحماية.
لأن الموقف السيادي الأردني غالبًا ما يتموضع في منتصف المسافة بين الشعارات القصوى والوقائع الصلبة. السيادة في المفهوم الأردني ليست صخبًا ولا استعراضًا، بل قدرة عملية على حماية المصالح الوطنية ضمن بيئة إقليمية معقدة. هذا التموضع المتوازن يجعله عرضة للتشويه من أطراف متناقضة في الوقت نفسه، إذ لا يرضي الخطاب الانفعالي ولا ينسجم مع منطق المزايدات. الخطاب الهادئ، رغم عقلانيته، أقل انتشارًا في زمن المنصات السريعة، وأكثر عرضة للاجتزاء وسوء الفهم.
لأن الأردن دولة تأثير يفوق حجمها العددي والاقتصادي. حين تكون دولة محدودة الموارد والمساحة لكنها حاضرة في ملفات سياسية وأمنية وإنسانية تتجاوز الإقليم، يصبح كل موقف سيادي لها محط تفكيك وتحليل، وأحيانًا استهداف. هذا التناقض بين الحجم والتأثير يخلق حساسية مضاعفة تجاه قراراتها، ويجعلها تحت مجهر دائم، حيث يُطلب منها ما لا يُطلب من غيرها، ويُحمّل موقفها ما لا يحتمله موقف دولة أكبر أو أكثر صخبًا.
لأن مصلحة الأردن تُبنى على الاستقرار طويل الأمد لا على المكاسب اللحظية. السيادة الأردنية تُمارس باعتبارها حماية مستدامة للأمن الوطني، وتماسك الجبهة الداخلية، واستمرارية القرار، لا باعتبارها استجابة لحظة عاطفية أو ضغط آني. هذا النوع من السيادة لا يُكافأ إعلاميًا، ولا يحقق شعبية فورية، لكنه الأقل كلفة والأكثر أمانًا على المدى البعيد. غالبًا ما يُساء فهم القرارات الهادئة لأنها لا تُقاس بضجيجها، بل بنتائجها المتراكمة.
لأن التشويه لم يعد حدثًا عابرًا بل أصبح صناعة قائمة بذاتها. بغض النظر عن مصدره، داخليًا كان أم خارجيًا، فإن التشويه اليوم يُدار بأدوات رقمية منظمة، حيث تُضخّم الروايات المجتزأة، ويُعاد تدوير الشك، وتُختزل المواقف المعقدة في عناوين مضللة. في هذا السياق، يصبح التوضيح المتكرر ضرورة دفاعية، لا خيارًا ترفيًا، وجزءًا من حماية السيادة في عصر تتشكل فيه الصورة العامة أسرع من الحقيقة.
لأن السيادة في الدولة الحديثة لم تعد صمتًا بل إدارة واعية للرواية. الامتناع عن الشرح لم يعد دليل قوة، بل قد يُفسَّر فراغًا يُملأ بروايات أخرى. الأردن حين يوضح، إنما يخاطب مواطنيه أولًا، ويعيد تثبيت معادلة المصلحة الوطنية فوق أي خطاب عابر أو ضغط خارجي. التوضيح هنا ليس اعتذارًا ولا تراجعًا، بل ممارسة سيادية واعية في عالم تُقاس فيه المواقف بسرعة انتشارها لا بعمق صحتها.
في المحصلة، التبرير الأردني المتكرر ليس دليل ضعف، بل انعكاس لدولة تعرف وزنها، وتدرك تعقيد محيطها، وتختار أن تحمي مصالحها بعقل بارد لا بصوت مرتفع. السيادة الحقيقية ليست في كثرة الشعارات، بل في القدرة على الصمود، وضبط القرار، وإدارة المعنى في زمن الفوضى